Just another WordPress.com site


لا أعلم ما العلاقة الوطيدة التي تربطني ببيت الخلاء، فلم يخلو مقال كتبته أو فكرة أنجبتها إلا وكانت لي زيارة مطولة ببيت الخلاء، المكان هادئ بعض الشيئ ، الإضاءة خافتة مريحة للبصر، الروائح مقبولة بل أن لها فضلا في زيادة  نشاط البويصلات الفكرية في دماغي الصغير، لا أخفيكمم سراً أنه عندما تتزاحم الأفكار في رأسي وتتشوش الرؤيا وتتعقد المسائل تراني أتوجه مباشرة هناك وتطول جلستي إلى أن يلهمني عقلي بإخراج عفواً مخرج منطقي لكل هذه التزاحمات.

بحكم خبرتي في عملي فإن التجربة الناجحة من الممكن أن تتعمم وذلك حتى تعم البركة و الفائدة وعليه ومن موقعي كمواطن في دولة ديمقراطية فإني  أنصح أصحاب القرارات و المعالي بخوض تجربتي وانشاء حمام سياسي عوضاً عن ذلك المطبخ ، الخطوات بسيطة و سهلة، فعندما تتزاحم الأفكارة وتتناثر المعطيات و تتعقد المسألة فما عليهم سوى عقد جلسة طارئة و يقومون بزيارة خفيفة إلى المكان المذكور أعلاه.

لم ابلغ السادسة والعشرين واول وعيي على السياسة كانت على حكومة الكباريتي واول اغنية أحببتها هي “عل الهوارة الهوارة والخبز طارت اسعاره وهذي الدنيا يا أبو عون و فيها ربح وخسارة”، و من يومها و الروائح بلشت تهل قصدي البشائر حتى اصبحنا من أغلى الدول قصدي أغنى الدول (أكيد ما بدي أذكركم انو لتر البنزين بليرة وكيلو اللحمة بأحد عشر والخير لقدام).

الغريب ان كل حكومة تأتي لتنقد أختها وعندما تشاهد التغيرات تجدها كما قال الزعبي (هي هي) فقط البرواز يتغيّر اما الحشوة …

جدار الصمت واخترقناه قبل فيليكس بأعوام و كتاب جينيس (موسوعة الأرقام القياسية) ودخلناه من أوسع ابوابه اكثر عدد حكومات في عام واحد في شهر واحد، قرارات سياسية ممزوجة بروائح مخرجات العملية الهضمية آسف العملية الفكرية،الخوف كل الخوف ان تستمر عمليات الإيض الحكومي منزوعة الدسم ومن دون أية توجهات بنائية.

(يعني عدم المؤاخذة) حكومتنا تقضي وقتاً طويلا في بيت الخلاء لتنجب لنا روائح فكرية إبداعية برائحة المانجا البلدية نتيجة الكمية الضخمة من وجبات و سُفرات العصف الذهني التي تتناولها في الندوات و المؤتمرات لتكون النتيجة واضحة لعين المواطن المثخن بالرفاه المعيشي من رفع للدعم وزيادة في الأسعار ونمو طفيف بالمستوى الفكري (أقل نسبة أمية في العالم العربي).

اللي بنبات فيه بنصبح فيه، لم تكن أمي مصيبة في هذه المقولة أو أن هذا المثل الشعبي لم يعد صالحاً بعد الآن ، برأيي يجب إعداد لجنة نيابية ديمقراطية منتخبة بقانون الصوت المش واحد  للأمثال الشعبية للتدرس اقتراحي في تعديل هذا المثل ليصبح اللي بنبات فيه أحسن من اللي بنصبح فيه. والله المستعان

قد اكون قد اثقلتكم بالروائح ونزعت خلوتكم بترهات فكرية. بس الصراحة انو العيشة صارت بت…… لا تفهموني غلط قصدي بتجنن، وعلى قولت صاحبنا ابو الغور هو بالله ترحمونا. وسلامة تسلمكو


أعلم أنكِ تكرهين الشتاء، أنفاسه الباردة، أرصفته المبللة، جدرانه المتآكلة، أشجاره المثكلة بفقدان أوراقها، لم تكوني يوماً من عشاقه أو حتى من معجبيه، فطالما أعددت خططك و أحلامك في غيره من الفصول.

أعلم أن الذي يفصل بين الحلم و الحقيقة خيط من الإرادة و العمل، لذلك أحلامنا يجب أن تكون كبيرة (هكذا افترضت)، لكنني لم أتصور أن حلمك ليس حياتك الوردية، ليس فارساً يأتيكي بجواد أبيض، ليس قصراً بغرفه الواسعة، ببساطتك تماماً كان حلمك، نعم كنت تريدينها طفلتين صغيرتين تسرحين خصلات شعرهما على شرفة منزلٍ في صباحات صيفية.

وكان لك ما أردتِ، وكان للأيام منكِ ما أرادت، قاسية تلك هي الأيام التي جعلتك تنظرين إلى كوب من الماء ولا تستطيع أناملك التقاطه، تنظرين فتنتظرين فتتأملين و تتألمين ثم تصرخين لعل أحدهم يلبي نداءك، ومن ثم ترتشفين منه القليل و تكتفين.

في بادئ الأمر قلتِ سنة الحياة، ومن ثم أيقنت أنكِ فقدتيهما لم تعودا طفلتين  أسريّت بهذا في قلبك، بكيتِ ثم ابتسمتِ فودعتيهما على أمل اللقاء الذي كلما يحصل يجدد ألم البعد ويذكركِ بالفراق من جديد.

أعلم و أنتِ تعلمين أن الأيام تأكل من أرصدة أعمارنا، أناملكِ عيناكِ قدماكِ كلها تستجيب لدقات الزمن، دوماً تقولين أن الصحة كنزٌ عظيم، لم أكن أفهمك، ولن أفهمك، كيف لي أن أعلم كيف تشعرين وأنتي التي تتألمين و أنا الشاهد الصامت على ألمك.

دوماً تقولين حياتنا مليئة بالتناقضات، الجميل و القبيح، الصحة و المرض، الفرح و الحزن، وغيرهما الكثير، الغريب و العجيب أن هذه التناقضات تجتمع معاً في وقتٍ واحد لتشكل لنا معنى الحياة، لتفتننا وتختبرنا، ألم يقل الله تعالى ”  الم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ،ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين “

نعم احتسبتَ وتحتسبين، و تحسنين دوماً الظنون أن يكون هذا في ميزان حسناتك و أعمالكِ، لكن هل تعلمين ما الفرق بيننا؟؟ّ!!

قيل أن رجل أتى رسول الله فقال يارسول الله لقد حملت أمي على ظهري وحججت بها فهل تراني جزيتها اجرها

فرد عليه الرسول عليه الصلاة والسلام قائلاً (لم تجزها ولو بطلقة من طلقات الولادة )

موظف و أفتخر


لم أكن يوماً من رواد مقاعد الصفوف الأولى، فكنت أرى ضجراً و ضجيجاً فيها، في المدرسة مثلاً كانت المقاعد  الخلفية أحب المقاعد إلى قلبي فهنالك كانت تسطع بنات أفكاري فأنثر الشعر وأكتب القصص و أرسم لوحات فنية، وأنا على يقين تام أنني أذا جلست في المقدمة فلن تتاح لي الفرصةُ أبداً لأفعل هذا، ففي الدروج الأولى كان يجلس أبناء المعلمين و المميزين، وكان الأساتذة يقضون وقت المحاضرة لهم، وكأن الصف لا يحتوي غيرهم.

المهم، أنني أيقنت مؤخراً أنه لم يكن لي الحق يوماً في مجرد التفكير بالجلوس في مقاعد الصفوف الأولى فقد أكدت لي المصادر و الدراسات أن هذه الصفوف أعدت خصيصاً لأصحاب الذوات، أما أنا (حسرت أمي علي) فلست سوى مواطن من الدرجة الثالثة (كأغلبية أبناء وطني) أعيش على ما أسميه راتبي اللذي يأتي في موعده تارةً ومتأخراً تارةً أخرى.

نعم فأنا موظف وأفتخر، أعيش في بلد همه الأوحد هو الأكل، فترانا نتناقش و قد اشرأبت أعيننا عن ماذا أكلنا البارحة، و ماذا سنطبخ غداً، و إذا ما ذكر سيد الطبخات (المنسف) فالحديث هنا يمتد لأيام ويرافقه أعراض معروفة من ذهاب للعقل و سيلان في اللعاب.

نعم أنا موظف و أفتخر،  أجمع أوراقي و قلمي و الآلة الحاسبة في كل ليلة و أبدأ بإجراء العمليات الحسابية المعقدة من جمع للدخل وطرح للمصروفات و ضرب للضرائب و قسمة طويلة للمجموع، بعد ذلك أشرع بعمليات التجميل على الأرقام، وبناء استراتيجية التقشف وسياسة اللي ما معو ما بلزمو، لعلي استطيع إنعاش راتبي حتى يكفيني لبداية الشهر القادم، و إذا ما باءت كل هذه العمليات بالفشل، عندها أبدأ بالبحث عن المصدر الممول “الدائن” شريطة أن يكون راتبه من فصيلة راتبي أو أكثر قليلا وذلك حتى لا أجد حرجاً عندما أطلب منه الدعم المادي فهو أعلم الناس بحالي.

نعم أنا موظف و أفتخر، في شركة خاصة، وإذا ما تعسر رب العمل أتحمل أنا المسؤولية و أرضى أن يتأخر ذلك الشيء (الراتب) أشهراً بعدما أكد لي المدير أنني يجب أن أشعر بظروف شركتي، حتى أضحت كل الشركات الخاصة تتنافس في عدد الأشهر التي ينقطع فيها وصول الراتب.

نعم أنا موظف و أفتخر، أذا فاضت دراهم معدودة يوما من راتبي، أشعر بسعادة بالغة وأكافؤ نفسي بنفنجان قهوة صب وسط من قهوة أبو العبد لأرتشفها مع سيجارة، وقد أمنيت نفسي بهذا الإنتصار.

حتى الطير اللذي يذهب خماصاً و يعود بطاناً هاجر بلدي بعدما سئم من الضرائب الفروضة عليه (راحت عليه فقد رفعو الضريبة عن مادة القشطة)

نعم أنا موظف و أفتخر، كيف لا و أنا أدعو في كل صلاة أن اللهم أعن الظالمين على ظلمنا وهيّأ لهم البطانة الفاسدة، وارزقهم فطنة العقل في اكتشاف أفضل الوسائل و الطرق في استنزاف ما أسميه راتبي.

دوماً يقول الكاتب الجميل أحمد حسن الزعبي غطيني يا كرمة العلي ما فيش فايدة، استميحك عذراً يا كاتبنا، أما أنا فأطالب بتشكيل حركة شعبية وطنية  تتطالب بتوسيع غطاء السيدة الفاضلة كرمة العلي حتى يغطينا كلنا.( يعني منو بندخل موسوعة جينيس اللتي طالما أحببنا الدخول فيها ومنو ………)

بعد الرحيل


رتب حقيبة سفره جيداً، أحكم إغلاق معجون الاسنان ووضع بجانبه الفرشاة، بدلة الرياضة الجديدة موجودة أيضاً، مرطبان زيت الزيتون، المخلالات، الملوخية المفرزة، علبة الدواللي، كل هذه المرطبانات محكمة الإغلاق كما وقد حجزت لها مكاناً جيداً في الجيوب الجنوبية للحقيبة، جواز السفر صالح كما أن التأشيرة ما زالت على الصفحة الخامسة من الجواز (علما أنه تأكد من وجودها و قرأها الف مرة). إذا كل الأمور جاهزة و مرتبة بإحكام لم يتبق عليه سوى انتظار أحمد (صديقه) ليقله إلى أرض المطار، كما و أن عليه واجب اجتماعي يتمثل في توديع الأهل و الأحبة اللذين التمو لإلقاء تحية الوداع عليه.

في تلك اللحظة ابتلت جفنتا أمه بدمعة غريبة لم تكن تنتظرها يوماً، دمعة جمعت بين نقيضين لم يجتمعا الوقت ذاته، “نعم” و “لا”.

نعم لقد ضاقت الحال و آن آوان الرحيل لتلمس الرزق، أولم يقل الله تعالى :”هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ”. نعم لا بد من الرحيل، فهنالك البحار و هنالك اللؤلؤ والمرجان، وهو ما زال صغيراً و يستطيع الابحار، لعله يلملم بعضاً من لآلئ البحر العظام.

ولا، فهي تعلم بداخلها أنه لن يعود، فللبحر لجة تأسر الأقدام، تذهب العقل و تمسح الذكريات، و لم سيعود؟ وكيف سيعود؟ ومتى سيعود؟، وغير هذه من الأسئلة التي أسرعت نزول دمعتها أمامه، هنالك نظر إليها وقال لا تخافي سأعود، غادر طائرها وهي تعلم علم اليقين أنه لا ولن يعود يوماً، وإن عاد جسده أرض الوطن فستبقى روحه ترفرف فقد ألفت روحه الطيران.

الغريب و العجيب أننا نجتمع على إناء واحد و نأكل نفس حبيبات القمح ،نتشارك القصص اليومية والآلام والآمال، نحلم سوية، ونبكي سوية، لكننا عندما نفترق تصبح الذكريات هي أغلى مانملك بل نستمتع كثيراً بتلك الذكريات ونود أن نرجع يوماً إلى أرض الوطن ونحن نعلم بداخلنا أننا لن نعود يوماً.

يطرح عبد الرحمن منيف في روايته مدن الملح “الجزء الأول” تساؤلاً جميلاً حيث يقول: “كيف  يمكن للأشخاص و الأماكن أن يتغيرو للدرجة التي يفقدون صلتهم بما كانو عليه، و هل يستطيع الإنسان أن يتكيف مع الأشياء الجديدة و الأماكن الجديدة دون أن يفقد جزءً من ذاته؟”

حتما التكيف مع الأشياء الجديدة سوف يفقدنا جزءً من ذاتنا، أحياناً نفقد الجزء السيء وأحياناً أخرى نفقد الجزء الجميل، لكن في معظم الأحيان نفقد جزءً من شخصيتنا و تصبح صلتنا بماكنا عليه قليلة  إن لم نكن نريد أن لاتكون لنا صلة بما كنا عليه أصلاً.

هنا اتذكر قصة السندباد و ياسمينة عندما رواها لنا بدر شاكر السياب في رائعته رحل النهار، فقد قال بدر شاكر السياب لياسمينة التي تنتظر عودة سندباد من السّفار على شاطئ البحر: رحل النهار وجلست تنتظرين عودة سندباد من السّفار و البحر يصرخ من ورائك بالعواصف و الرعود هو لن يعود أو ما علمت بأنه أسرته آلهة البحار، فلترحلي هو لن يعود. كما يعاتب بدر شاكر السياب ياسمينة على سذاجتها ويقول لها لم تنظرينه أصلا فخصلات شعرك لم يصنها سندباد من دمار.

لا أعلم هل يحق لنا أن نعاتب ياسمينة على سذاجتها، أم نحن  من هم السذّج، وكيف لياسمينة أن تنسى كل تلك الذكريات، ذكريات الطفولة والصبا، وكيف لسندباد أن يكذب عليها فقد  وعدها بالعودة يوماً، فقد أكد لها أنه سيعود محملاً بالهدايا، لكنني أخاف على ياسمينة هول الفراق عندما تيقن أنه لا و لن يعود، عندما تتمنى أن يقف الزمان أن يمر حتى باللحود.

عذراً يا ياسمينة فهو لن يعود


لعلها لم تكن المرة الأولى التي تحطم فيها حلمه ، فقد كان يكره دوما الخريف فهناك تسقط الأوراق وتتبعثر في أرجاء المكان معلنةً الموت والنهاية  ، و لكنه في هذه المرة أصدر أنيناً لم تعتد أوتار حنجرته أن تصدرها هز بأنينه أوتار السكون منتقلاً بها إلى عالمٍ من الحيرة والضياع لتضعه في تساؤل فيما إذا كانت مسئولة عن الألم الذي يعانيه أم هي تلك الأقدار من جديد .

اعتاد دوما وفي صبيحة كل يوم ربيعي أن يطلق بصره نحو حديقة الشارع ليشاهد طائره الأزرق يصدر أصواتاً تزهو بها الألحان ويحرك جناحيه الزرقاوتين فيملأ المنطقة كلها بالحياة.وكان يعلم أن ملاكه الصغير تحب أيضا أن تطير كانت أحلام ملاكه الصغير أن تحلق بجناحيها وتطير بعيداً هناك خلف الأفق الذهبية لتعانق الشمس مبتعدة عن أزمة المرور والأرصفة الصفراء التي امتلأت بضجيج المارة .

كبير كان حلمها بين الطيور أرادت أن تمضي عمرها محلقة من غيمة إلى أخرى ولكنه وبسذاجة التفكير الفطري أيقن أنها أحلام الطفولة التي ترافق كل طفل ولا تلبث إلا أن تزول ولكنه ويا لطيشه الأبدي لم ينظر حينها إلى عيناها اللتان كانتا تبرقان ببراءة الأطفال وإرادة الأبطال بلون لعله يشبه لون طائره الأزرق.

كبرت سلمى قليلا وما زال حلمها التحليق بجناحيها في السماء لأنها وكلما كبرت أدركت أن الأرض ليس مكانا يصلح أن تمضي فيه حياتها لا تقبل على نفسها أن تعيش بين جفنات العنب وخلف الجدران أرادت تطفو بقاربها فوق الغيوم وتجدف بمجدافها نحو ما يقال عنه المستحيل متيقنة أنها لا تمتلك في قاموسها الصغير تلك الكلمة الغبية (المستحيل) .

وما زال الأب ينتظر كل ربيع ليعاود النظر لطائره الأزرق ولملاكه الصغير التي تنمو بنمو أغصان الأشجار وكان يحب أن يستمع لسيمفونية تجمع بين الفرح عند بدايتها  وبعضا من البكاء والابتسامات الغربية التي ترسمها تلك السيمفونية عندما تدق نوتاتها النهائية لكنه لم يكن يعرف يوما اسمها.

وفي يوم خريفي تلوثت سماؤه بلون تلك الأوراق الصفراء قرر القدر أن يسمح لسلمى بالرحيل مصفقةً  بجناحيها لتحتضن الشمس مبتعدةً عن أزمات المرور وحفيف أوراق الشجر الحزينة على فراقها لأغصانها هناك وبعدما سقطت على الأرض متألمةً من دبابة غاصبة طائشة مبعثرة أحلامها لتحلق روحها وتستأنف روحها المسير لتحقق حلمها ولكن بعدما فارقت أنفاسها هواء الأرض.

كان الأب يعلم أنها تحب الطيران وكان يعلم أنها ذلك الطائر ولكن ليست تطير كانت دوماً تضرب بجناحيها الصغيرتين أرض المكان ولكن كان متأكداً أنها ليست تطير أراد أن يعتذر لها، أن يوضح لها  أنه لم يكن يفهمها ، أنه أحبها وأرادها أن تبقى معه، أرادها أن تبقى ذلك الطائر الذي لا يطير ، أن تبقى لتملئ حياته بمعنى الحياة أراد أن يبكي أن يمزق أوراق الشجر ولكن الشجر أيضاً حزين فقد فَقَدَ أوراقه ولم يعد قادراً أن يبقى صامتا أراد أن يهز العالم ……أعذروه فإنه فقدَ جزئاً من حياته…………….. هناك بكى صديقي آه وبكت عيناه الموشحتين بالحب…… وهناك غادر الطائر الأزرق أرجاء العش بعدما توقفت معزوفاته عن الخروج…… وبكت زويا المكان.

ولكن وبصمت غريب أشرقت شمس الحياة من جديد معلنةُ بدء يوم جديد غاضةً طرفها عن الجروح التي مزقتها في أجساد من يعيشون فيها لتأكد لهم أنهم جميعهم سيأتي يوم لهم ليغادروا فيه سطح أرضها ولكن باختلاف هيئاتهم واختلاف إنجازاتهم فعليهم أن يغتنموا يومها الجديد لعله يضيف إلى دفتر إنجازاتهم لعلهم يلتقون بسلمى هناك في الأعلى.

حينها أدرك صديقي أنها هي الحياة وأنها لقنته أسم سيمفونيته ولكن بدرس قاسٍ كان عليه أن يخوضه وهنا فارقت الكلمات شفتاه ليعلم أنه يمتلك ما يفعله بعيداً عن الدائرة المفرغة من الروتين القاتل لعله يلحق بسلمى أو حتى يلقاها بعد حين.

قال تعالى  (ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلو تبديلا)

 


إذا بكت الحجارة نعلم أن هناك مصاب جلل أصاب الأمة، وإذا بكت الغيوم نعلم أن الخير قد عم على الأمة؛ فماذا إذا بكت الغيوم حجارة وماذا إذا عم الصراخ جدار الصمت وتدحرجت أوراقه بين كف الخبال؛ عندها ندرك أن ما كان، ما كان أن يكون إلا أضغاث أحلام أرّقت خيمة الظلام وأزعجتها في مرقدها. ولكن السؤال الذي يُطرح هنا أكان ذلك الهراء قادراًعلى  مس السكون وتحريك أوتاره ليعزف سيمفونية مزعجةً في جوف الليل أم أن ذلك الهراء ما كان سوى هراء ترسمه خيوط الخيال ليبقى حكرأ داخل أحلامنا


لقد حان الوقت لكي نوقف تفكيرنا عما قد يكون جميلا ذلك المستقبل ، فطالما كان ماكرا ذلك المستقبل ،. بنينا لنا قصورا في غيومه وانتظرنا اقلاع شمسه حتى تنثرخيوطها على رمال تلك الغيوم لنرا قصورنابنيت وأحلامنا قد تحققت وعند شروق شمس يوم جديد نيفن ان ان الأحلام لم تتحقق وان القصور لم تبنى.

بعيدا عن التفاؤل والتشاؤم ، بعيدا عن الإحباط والعزيمة وقريبا الى لغة المنطق والعقل و التجارب، لا بد لنا ان نبحث عن إجابة منطقية لسؤال واحد ما الذي نريده من ذلك المستقبل؟؟؟؟!! قبل الاجابة على هذا السؤال لا بد لنا من المرور على العديد من الحقائق و الوقائع والذكريات حتى تكون اجابتنا صادقة لنستطيع بعدها تصديق انفسنا اولا و آخراً . المستقبل ذلك العالم القريب البعيد ذلك الدواء الغريب العجيب الذي نصبر فيه انفسنا عندما تضيق الدنيا بما رحبت كما اننا نستعمل هذا الدواء عندما نمتلك الدنيا ونبحث عن المزيد منها ، العجيب في الامر انه دواء لدائين نقيضين لبعضهما مختلفين في الأعراض ، لكنه يداويهما. فما الذي نبحث عنه حقا في ذلك المستقبل؟ المال، الحب، الجمال، الكمال، القوة ام راحة البال، إذا كنا حقا نبحث على هذه الاشياء فعذرا نحن نبحث على اللاشيء. نعم لا شيء فمن يختلف ان هذه الاشياء نسبية تختلف وتتغير من شخص لآخر تختلف باختلاف الزمان و المكان، إذا كيف نتفق اننا نبحث عن الاشياء ذاتها ولكن لا بد ان تكون بنفس الوقت مختلفة؟؟؟؟ان هذا شطح من الخيال و الجنون. في المستقبل القريب او البعيد سنفقد حبيبا او ستستقبل مولودا جديدا سنضحك وسنبكي، الفارق اننا نشغل حاضرنا بما يخبؤه لنا مستقبلنا يا له من اناني ذلك المستقبل يشغلنا به دوما وليس شيئا آخر سواه حتى انه ينسينا اننا نعيش في مستقبل كنا قد تمنيناه يوماً.

عذرا أيها المستقبل لم اعد بحاجة لانتظارك كم كان رهيباً عبد الرحمن منيف في روايته الآن وهنا في وصفه بطل الروايه عادل الخالدي الذي مزقته السجون وقطعته اشلاء ادوات التعذيب ليخرج من قضبان الحديد بقايا انسان، الا انه بقي قوي العزيمة وعندما سأله طالع العريفي عن سر قوته وتفاؤله قال ” الموضوع لا يتعلق بالتفاؤل او بالتشاؤم انما يتعلق بمقدرتنا على البدء من جديد وبشكل صحيح. نعم أيها المستقبل لا حاجة لنا بالتفاؤل او التشاؤم انما علينا البدء من جديد وبشكل صحيح فقد سقطت أوراق التوت عن الجميع وبلغ السيل الزبى.

رحم الله الدكتور ابراهيم الفقي الذي كان دائما يقول عيش كل لحظة كانها اخر لحظة في حياتك عيش بالحب عيش بالإيمان وقدر قيمة الحياة و تذكر ان كل يوم جديد يقول لك أنا يوم جديد على عملك شهيد لا ولن أعود الى يوم القيامة و سأشهد ضدك